نصر حامد أبو زيد
120
الاتجاه العقلي في التفسير
الايمان بإرادته ، لا بالاجبار ، فاللّه قد وهبه الآيات ولكنه هو الذي انسلخ منها بإرادته الحرة ولا يلمح الرماني وجه الشبه فقط ، ولكنه يشير أيضا إلى أثر هذه الصورة فيما أطلق عليه « التخسيس » فالآية - بهذا التشبيه - تحقّر من شأن الكافر عن طريق تشبيهه بالكلب في صورة اللهث المستمر ، وهي صورة لا شك مقززة . وتقوم الاستعارة كذلك على أساس المشابهة ، والفارق بينهما - عند الرماني - وجود الأداة في التشبيه ، ذلك « أن ما كان - من التشبيه - بأداة التشبيه في الكلام فهو على أصله ، لم يغير عنه في الاستعمال ، وليس كذلك الاستعارة ، لأن مخرج الاستعارة ما العبارة ليست له في أصل اللغة » 92 ومن الواضح أن الرماني يدخل التشبيه البليغ - المحذوف الأداة - في حد الاستعارة . ويؤكد هو هذا التداخل بقوله : « وكل استعارة بليغة فهي جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب بيان أحدهما بالآخر كالتشبيه ، إلّا أنه بنقل الكلمة ، والتشبيه بأداته الدالّة عليه في اللغة » 93 . ويكون الفارق بين التشبيه والاستعارة هو أن الاستعارة تعتمد على النقل من معنى أصلي إلى معنى مجازي ، وذلك على عكس التشبيه الذي لا ينقل فيه اللفظ من معنى إلى معنى وذلك لوجود أداة التشبيه التي تقوم بهذا النقل . وينتقل اللفظ في الاستعارة بنفسه . واعتماد الاستعارة على النقل عند الرماني - دون التشبيه - يجعلنا نعتبره أول من أخرج التشبيه من دائرة المجاز ، وذلك على الرغم من أن مصطلح « المجاز » لم يرد له ذكر في رسالته . غير أنه من جانب آخر يجعل الاستعارة مقابلا للحقيقة « وكل استعارة فلا بدّ لها من حقيقة ، وهي أصل الدلالة على المعنى في اللغة » 94 وإذا كان التشبيه البليغ داخلا في حد الاستعارة فهو بالتالي داخل في حد المجاز بحكم أن النقلة تتم فيه دون وجود الأداة . وإذا كانت مهمة التشبيه هو البيان عن طريق المقارنة بين شيئين أحدهما أظهر من الآخر وأجلى منه ، فإن مهمة الاستعارة لا تخرج عن ذلك « وكل استعارة حسنة فهي توجب بلاغة بيان لا تنوب منابه الحقيقة ، وذلك أنه لو كان تقوم مقامه الحقيقة ، كانت أولى به ، ولم تجز الاستعارة » 95 غير أن الرماني لا يكشف لنا بشكل واضح عن الفارق بين التعبير الحقيقي والتعبير الاستعاري ، ويكتفي فحسب بتقريره . ويرتبط هذا التحديد للاستعارة بغاية التأويل عند الرماني ، فمن استعارات القرآن وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( الفرقان / 23 ) « حقيقة قدمنا هنا عمدنا وقدمنا أبلغ منه لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر ، لأنه من أجل امهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم ، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم . وفي هذا تحذير من الاغترار بالامهال ، والمعنى الذي يجمعهما